اليَوْمُ هُوَ يَوْمُ الوقوفِ في وَجْهِ الإرهابِ جَسَداً واحِداً

 
بِسْــــــــــــــــــــــمِ اﷲِارَّحْمَنِ ارَّحِيم
مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا
 
بارَكَ اللهُ لَكُمْ جُمْعَتَكُمْ إخْواني الأعِزّاء!
في هَذِهِ الأيّامِ عادَ الحُزْنُ وأَلَمَّ بِأُمَّتِنا مُجَدَّداً، فَقَدْ تَعَرَّضْنا الأسْبوعَ الماضي لِعَمَلِيَّةٍ إرْهابِيَّةٍ في إسْطَنْبولَ وَيَوْمَ أَمْسِ في إزْميرَ. فَاكْتَوَتْ بها أَفْئِدَتُنا مَرَّةً أُخْرى حُزْناً عَلى الأبْرِياءِ الذينَ فَقَدوا حَياتَهُمْ. أَسْأَلُ اللهَ سُبْحانَهُ الرَّحْمَةَ على الذينَ لَقوا مَصْرَعَهُمْ والشِّفاءَ العاجِلَ لِلْمُصابينَ والعَزاءَ لِذَويهِمْ وأَقارِبِهِمْ وأُمَّتِنا والإنْسانِيَّةِ جَمْعَاءَ. 
إِخْواني الأعِزّاء!
إِنَّ الإنْسانَ مُكَرَّمٌ في عَقيدَتِنا كَما نَقولُ دائِماً مِنْ هذا المِنْبَرِ. وَحَقُّ الإنْسانِ في الحَياةِ حَقٌّ مُقَدَّسٌ لا يُمْكِنُ المَساسُ بِنَفْسِهِ ومالِهِ وشَرَفِهِ وعِرْضِهِ1. يَقولُ اللهُ تَعالى في كِتابِهِ العَزيزِ: "...مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا"2. وأَسْمى غايَةٍ في دينِنا الحَنيفِ الإسلامِ هُوَ تَكْريمُ نَفْسِ الإنْسانِ وَبَثُّ الحَيَاةِ فيها.
يَجِبُ أَنْ نَعْلَمَ جَميعاً أَنَّ الإرْهابَ الذي يَسْتَهْدِفُ وُجودَنا أَهْدافُهُ واحِدَةٌ مَهْما اخْتَلفَتْ أَسْماؤهُ وطُرُقُهُ وذِهْنِيّاتُهُ ومَظاهِرُهُ. الإرْهابُ يَرْمي لِتَمْزيقِ وَحْدَتِنا وأُخُوَّتِنا، والقَضاءِ على ثَقافَةِ العَيْشِ المُشْتَرَكِ مَعَ الاخْتِلافاتِ التي تُعَدَّ ثَراءً. الإرْهابُ يَرْنو إلى أَسْرِ قُلوبِنا وَزَجِّها في ظُلُماتِ الفِتْنَةِ والفَسادِ والحِقْدِ والكَراهِيَةِ والعُنْفِ والخُصومَةِ، وجَرِّنا إلى دَوَّامَةِ الصِّراعاتِ والاضْطِراباتِ، وإِضْعافِ قُوَّتِنَا في الوَقْتِ الحاضِرِ، وإخْمادِ آمالِنا بِالمَسْتَقْبَلِ.
إخْواني!
في هَذِهِ الفَتَراتِ الصَّعْبَةِ التي نَمُرُّ بِها ما أَحْوَجَنا إلى المَبادِئِ الأخْلاقِيَّةِ التي يُعَلِّمُنا إياهُ اللهُ تعالى في سورَةِ الحُجُراتِ3. تَعالَوْا نَسْتَمِعْ جَميعاً إلى هَذِهِ المَبادِئِ التي تُعادِلُ الذَّهَبَ في قيمَتِها:
أولى هَذِهِ المَبادئِ هِيَ: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا". فَالقَبولُ بِصِحَّةِ ما يَرِدُنا مِنْ أنْباءٍ دونَ التِّبْيانِ والتَّأَكُّدِ مِنْ حَقيقَتِها قَدْ يُفْضي بِنا إلى نَتائِجَ خاطِئَةٍ لا يُحْمَدُ عُقْباها، فَيَكونُ هَذا المَوْقِفُ سَبَباً في الفِتْنَةِ والفَسادِ، ونُصابُ بِالنَّدَمِ في نِهايَةِ المَطافِ.
إخواني!
ثاني هَذِهِ المَبادِئِ هي "فَاَصْلِحُوا". هَذا يَعْني أَنْ يَعْمَلَ الإنْسانُ على حَلِّ المَشاكِلِ والخِلافاتِ التي تَقَعُ بَيْنَ النّاسِ، فَيكونُ بَنّاءً ومُصْلِحاً لا مُفْسِدَاً ومُدَمِّراً، ويَكونُ مُوَحِّداً لا انْفِصالِيّاً ومُفَرِّقاً، وأَنْ يَسْتَحْكِمَ قُوَّةُ المَحَبَّةِ والأخُوَّةِ مُقابِلَ ظُلُماتِ الحِقْدِ والكَراهِيَّةِ والعُنْفِ، وأَنْ يُزيلَ مُسْتَنْقَعَ التَّفْرِقَةِ والصِّراعِ.
وثالثُ هَذِهِ المَبادِئِ الأخْلاقِيَّةِ هي "وَاَقْسِطُوا". وهذا يَعْني أنْ يَلْتَزِمَ الإنْسانُ دائِماً بِالحَقِّ والحَقيقَةِ والصِّدْقِ والصَّوابِ مَهْما كانَتِ الظُّروفُ والشُّروطُ.
إخْواني الكِرامُ!
أمّا المَبْدَأُ الأخْلاقِيُّ الرَّابِعُ الذي تُعَلِّمُنا إيّاهُ سورَةُ الحُجُراتِ فَهُوَ "لَا يَسْخَرْ". هذا يَعْني أَنْ لا يَسْخَرَ الإنْسانُ مِنْ أَحَدٍ ويَسْتَهْزِئَ بِهِ ويَسْتَحْقِرَهُ. يَجِبُ عَلَيْنا أن لا نَنْسى أَنَّنا أَبْناءُ آدَمَ وحَوّاءَ، مَخْلوقونَ مِنَ الأصْلِ ذاتِهِ.
والمَبْدَأُ الأخْلاقِيُّ الخامِسُ هُوَ "وَلَا تَلْمِزُٓوا اَنْفُسَكُمْ". يَعْني أنْ نَبْتَعِدَ عَنِ جَرْحِ الآخَرينَ ولَوْ بِإِشارَةٍ أو إيماءَة، وأَنْ نَتَجَنَّبَ الأقْوالَ والمواقِفَ والتَّصَرُّفاتِ التي تُسيءُ إلى كَرامَةِ الإنْسانِ وَشَرَفِهِ.
والمَبْدَأُ الأخْلاقِيُّ السَّادِسُ هُوَ "وَلَا تَنَابَزُوا بِالْاَلْقَابِۜ". يعني أنْ لا يُلَقِّبَ الإنْسانُ الآخَرَ بِألْقابٍ يَكْرَهُها لِأَنَّ اسْمَ الإنْسانِ وشَرَفِهِ واعْتِبارِهِ يَسْتَحِقُّ التَّقْديرَ والاحْتِرامَ كَما يَسْتَحِقُّه هو بذاتِهِ.
إِخْواني الأعِزّاء!
أمّا المَبْدَأُ السَّابِعُ الذي تُعَلِّمُنا إِيّاهُ سورَةُ الحُجُراتِ فَهُوَ "اجْتَنِبُوا كَث۪يرًا مِنَ الظَّنِّۚ". يَعْني أَنْ نُقْلِعَ عَنْ إساءَةِ الظَّنِّ بِبَعْضِنا البَعْضِ لِأَنَّ مُعْظَمَ الظَّنِّ إثْمٌ يُفْضي إلى المَشاكِلِ والفَهْمِ الخاطِئِ.  
والمَبْدَأُ الأخْلاقِيُّ الثّامِنُ هُوَ "وَلَا تَجَسَّسُوا". يَعْني الابْتِعادُ عَنِ البَحْثِ عَنْ عَثَراتِ الآخَرينَ وهَفَواتِهِمْ، وعَدَمُ إفْشاءِ خُصوصِيّاتِهِمْ. عَلَيْنا أنْ لا نَنْسى أَنَّ المُهِمَّةَ الأساسِيَّةَ المُلْقاةَ على عاتِقِنا هِيَ أَنْ نَتَفادى أَخْطاءَنا وعُيوبَنا ونَتَدارَكَها.  
أمّا المَبْدَأُ الأخْلاقِيُّ التّاسِعُ فَهُوَ "وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا" لأنَّنا مُكَلَّفونَ بِحِمايَةِ حُقوقِ إخْوانِنا حَتّى في غِيابِهِمْ واعْتِبارِ وُجودِهِمْ وُجودَنا وشَرَفِهِمْ شَرَفَنا. 
إخْواني!
أَسْأَلُ اللهَ تَعالى أَنْ يَجْعَلَنا مِنَ الذينَ يُراعونَ هَذِهِ المَبادِئَ ويَلْتَزِمونَ بِها، وَيَجْعَلَنا مِنَ الذينَ يَتَحَلَّوْنَ بِأخْلاقِ القُرْآنِ والنَّبِيِّ. أَسْأَلُهُ جَلَّ وعَلا أَنْ يَحْفَظَنا مِنَ الذينَ يَسْتَهْدِفونَ وَحْدَتَنا وأُخُوَّتَنا. أَسْأَلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أَنْ يَحْفَظَ بَلَدَنا وأُمَّتَنا مِنَ الزَّوالِ لِأَنَّهُما أمَلُ المَظْلومينَ. اللهمَّ آمين.
 
 
[1] البخاري، العلم، 9.
[2] المائدة، 5/ 32.
[3]  الحجرات، 49/ 1-18.