15 تَمّوز: المُقاوَمَةُ التي شَهِدَتْ عَلَيْها الصَّلَواتُ

 
أَيُّها المُؤْمِنونَ الأَعِزّاءُ!
يَقولُ اللهُ تَعالى في مُحْكَمِ تَنْزيلِهِ: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ"[1].
إِخْواني!
هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ تُخْبِرُنا كَيْفَ أَنَّ اللهَ تَعالى أَيَّدَ بِجُنودِهِ جَيْشَ المَسْلِمينَ في غَزْوَةِ الخَنْدَقِ. وَلَكِنَّ وَعْدَ اللهِ هَذا ظَلَّ يَتَحَقَّقُ في العَديدِ مِنْ نِقاطِ الانْعِطافِ التي حَصَلَتْ عَلى مَرِّ التَّاريخِ. فَقَدْ تَحَقَّقَ وَعْدُ اللهِ هَذا، في مَعْرَكَةِ مَلاذْكِرْدْ وَجَنَقْ قَلْعَة وَصَقارْيا وَدومْلوبينار. وَشَهِدْنا مِنْ جَديدٍ تَحَقُّقَ هَذا الوَعْدِ في 15 تَمّوزَ قَبْلَ عامٍ مِنَ الآن. في تِلْكَ اللَّيْلَةِ تَعَرَّضْنا دَوْلَةً وَشَعْباً لِمُحاوَلَةِ احْتِلالٍ وَخِيانَةٍ كَبيرَةٍ. وَرَأَيْنا مَرَّةً أُخْرى أَنَّ اللهَ تَعالى أَكْرَمَنا في هَذِهِ اللَّيْلَةِ المُظْلِمَةِ بِرَحْمَتِهِ وَنَصْرِهِ وَعِنايَتِهِ. فَيَجِبُ عَلَيْنا عِنْدَ إِحْياءِ الذِّكْرى السَّنَوِيَّةِ لـ 15 تَمّوز أَنْ لا نَنْسى عَلى الإِطْلاقِ لُطْفَ اللهِ عَلَيْنا وَعِنايَتَهُ وَرَحْمَتَهُ وَنُصْرَتَهُ لَنا. ما يَجِبُ عَلَيْنا نَحْنُ المُؤْمِنينَ، الذينَ تَكاتَفوا لِتَخَطِّي هَذِهِ الكارِثَةِ الكَبيرَةَ هُوَ أَنْ ننَشْكُرَ اللهَ وَنَحْمَدَهُ وَنُثْني عَلَيْهِ دائماً أَبَداً.
إِخْوانيَ الكِرامُ!
وَالحَقيقَةُ الأُخْرى التي يَجِبُ أَنْ لا نَنْساها على الإِطْلاقِ هِيَ أَدْعِيَةُ وَتَضَرُّعاتُ إِخْوانِنا المَظْلومينَ وَالمَحْرومينَ، الذينَ عَلَّقوا عَلَيْنا آمالَهُمْ، وَأَعْيُنُهُمْ تَفيضُ دَمْعاً في تِلْكَ اللَّيْلَةِ. في تِلْكَ اللَّيْلَةِ شاهَدْنا المَظْلومينَ وَالمَحْرومينَ وَالمُهاجِرينَ في العالَمِ كُلِّهِ بَدْءَاً مِنْ غَزَّةَ ووُصولاً إلى سَراييفو، وَمِنْ كَرْكوكَ إلى الصّومالِ، وَمِنَ السُّودانِ إلى الباكِسْتانِ، وَمِنْ سُهولِ آسِيَةَ إلى أَقْصى بِقاعِ إِفْرِيقِيَّة؛ يَدْعونَ اللهَ مِنْ أَجْلِ شَعْبِنا. يَجِبُ أَنْ لا نَنْسى أَبَداً إِخْوانَنا الذينَ صاروا يَسْجُدونَ وَيَبْكونَ حَتّى ‘لا تَسْقُطَ قَلْعَةُ الإسْلامِ الأَخيرَةُ’. في تِلْكَ اللَّيْلَةِ عِشْنا جَميعاً مَعْنى حَديثِ رَسولِ اللهِ الذي يَقولُ فيهِ: "إِنَّ الْمُؤْمنَ للْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشدُّ بعْضُهُ بَعْضاً"[2].
أَيُّها المُسْلِمونَ الأَكارِمُ!
وَالحَقِيقَةُ الأُخْرى التي يَجِبُ أَنْ تَبْقى حَيَّةً في أَذْهانِنا هِيَ روحُ الوَحْدَةِ وَالاتِّحادِ وَالتَّضامُنِ، التي أَبْداها شَعْبُنا يَداً بِيَدٍ مَعَ الدَّوْلَةِ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ، رِجالاً وَنِساءً، صِغاراً وَكِباراً. فَفي 15 تَمّوز شَاهَدْنا جَميعاً أَبْناءَ هَذا الشَّعْبِ العَزيزِ يَتَدَفَّقونَ إلى الشَّوارِعِ وَالمَيادينِ اسْتِجابَةً لِدَعْوَةِ رِجالاتِ الدَّوْلَةِ، ودِفاعاً عَنِ الوَطَنِ وَالحُقوقِ وَالاسْتِقْلالِ وإِرادَةِ الحُرِّيَّةِ، وَفي آذانِهِمْ أَصْواتُ الصَّلَواتِ مِنَ المآذِنِ وَعَلى أَلْسِنَتِهِمُ كَلِمَةُ التَّكْبيرِ وفي قُلوبِهِمْ رَغْبَةُ الشَّهادَةِ. في تِلْكَ اللَّيْلَةِ أَبْدى شَعْبُنا الكَريمُ مَرَّةً أُخْرى تِلْكَ الرّوحَ العَظيمَةَ التي يَحْمِلها نَشيدُ الاسْتِقْلالِ في هَذا البَيْتَيِنِ: "عَجَباً أَيُّ مَعْتوهٍ  يَضِرِبُ في يَديَّ الأَغْلال / أنا مِثْلُ سَيْلٍ هادِرٍ أُحَطِّمُ القَيْدَ والأَغْلال". في تِلْكَ اللَّيْلَةِ تَوَضَّأَ شَبابُنا قائِلينَ "بِسْمِ اللهِ"، وَغادَروا مَنازِلَهُمْ مُرَدِّدينَ "كَلِمَةَ الشَّهادَةِ"، وَتَدَفَّقوا إلى المَيادينِ وَعَلى أَلْسِنَتِهِمْ "كَلِمَةُ التَّكْبيرِ"، فَصاروا يُشَكِّلونَ الأَمَلَ الأَكْبَرَ لِمُسْتَقْبَلِ شَعْبِنا.
إِخْواني!
وَالأَمْرُ الآخَرُ الذي يَجِبُ أَنْ نَتَذَكَّرَهُ دائِماً هُوَ الصَّلَواتُ التي ارْتَفَعَتْ مِنَ المآذِنِ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ، تُحافِظُ على مَتانَتِنا وَتُحَرِّكُ فينا الإرادَةَ المُشْتَرَكَةَ وَالوَعْيَ المُشْتَرَكَ وَالدِّينامِيكِيَّةَ المَعْنَوِيَّةَ. وصَارَتِ الصَّلَواتُ تَشْهَدُ على قِيامِ الأمَّةِ وَنَهْضتِها مِنْ جَديدٍ، وَاجْتِماعِها حَوْلَ القِيَمِ. فَالْقُوَّةُ الكُبْرى، التي جَعَلَتْنا أُمَّةً وَأَخْرَجَتْنا مِنَ الظُّلُماتِ إلى النّورِ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ، هِيَ إيمانُنا الرَّاسِخُ بِاللهِ تَعالى، وَإِرادَتُنا في عَدَمِ الخُنوعِ وَالاسْتِسْلامِ لِغَيْرِ للهِ تَعالى.
أَيُّها المُؤْمِنونَ الأَعِزّاءُ!
هُناكَ حَقيقَةٌ أُخْرى يَجِبُ أَنْ لا نَنْساها عَلى الإِطْلاقِ وَلا نَجْعَلُها تَغيبُ عَنِ العُقولِ أَبَداً، أَلا وَهِيَ أَنَّ مُحاوَلَةَ الاحْتِلالِ وَالخِيانَةِ التي تَعَرَّضْنا لَها في تِلْكَ اللَّيْلَةِ حَصَلَتْ تَحْتَ كُسْوَةِ الدّينِ.  رَأَيْنا في لَيْلَةِ 15 تَمّوز أَنَّ شَبَكَةَ الخِيانَةِ تَظاهَرَتْ بِأَنَّها عَلى الصِّراطِ المُسْتَقيمِ، فَاسْتَغَلَّتْ عَقيدَةَ هَذِهِ الأُمَّةِ وَقِيَمَها وَزَكَواتِها وَصَدَقاتِها وَعَواطِفَها وَتَبَرُّعاتِها عَلى مَدى 40 عاماً، وَاسْتَهْدَفَتْ وُجودَها. رَأَيْنا حَرَكَةَ النِّفاقِ التي سَرَقَتْ أَبْناءَ شَعْبِنا، وَأَفْسَدَتْ أَجْيالاً عِدَّةً؛ تَسْتَهْدِفُ بَقاءَ بَلَدِنا في سَبيلِ تَحْقيقِ آمالِ المُحْتَلّينَ. وَمُحاوَلَةُ الخِيانَةِ هَذِهِ أَظْهَرَتْ أَنَّ الوَظيفَةَ التي تَقَعُ عَلى عاتِقِنا هِيَ تَعَلُّمُ دِينِنا الحَنيفِ مِنْ مَصادِرِهِ الصَّحيحَةِ، وَمُمارَسَةُ الإِسْلامِ في ضَوْءِ القُرْآنِ وَسُنَّةِ رَسولِنا الكَريمِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ، وَعَدَمُ الانِحْرافِ عَنِ الطَّريقِ الأُمِّ الذي بَنى الحَضاراتِ عَلى مَرِّ التَّاريخِ، وَعَدَمُ بِناءِ حَقيقَةٍ عالِيَةٍ كَالدّينِ عَلى أَوْزارِ شَخْصِيّاتٍ فانِيَةٍ، وَالالْتِزامُ بِطَريقِ العِلْمِ وَالحِكْمَةِ حَتّى لا نَتَعَرَّضَ مَرَّةً أُخْرى لِهَذا النَّوْعِ مِنَ الخِيانَةِ، وَعَدَمُ الخُنوعِ وَالخُضوعِ لِحَرَكاتِ الفَسادِ التي تُغَيِّرُ لَوْنَها تَبَعاً لِمَصالِحِها.
إِخْواني!
وَأَخيراً هَناكَ حَقيقَةٌ أُخْرى يَجِبُ أَنْ لا نَنْساها أَلا وَهِيَ أَنْ نَذْكُرَ دائماً الشُّهَداءَ، الذينَ ضَحّوا بِأَنْفُسِهِمْ في سَبيلِ قِيَمِنا، وَالمُحاربينَ الذينَ يَحْمِلونَ جُروحاً عَلى أَجْسادِهِمْ مِثْلَ ميدالِيَةِ الاسْتِقْلالِ؛ بِالمِنَّةِ وَالشُّكْرانِ. أَسْأَلُ اللهَ تَعالى أَنْ يَرْحَمَ شُهَداءَنا، وَيَحْشُرَهُمْ مَعَ شُهَداءِ بَدْرٍ وَأُحُدٍ وَالخَنْدَقِ وَمَلاذْكِرْدْ وَجَنَقْ قَلْعَة وَصَقارية. أَسْأَلُهُ سُبْحانَهُ الأَجْرَ الكَبيرَ وَالشِّفاءَ العاجِلَ لِجَميعِ المُحارِبينَ وَأَنْ لا نَحيدَ عَنْ طَريقِهِمْ.
 

[1]  المائدة، 5/ 11.
[2]  البخاري، الصلاة، 88. مسلم، البر والصلة، 65.
من إعداد المديرية العامة للخدمات الدينية