رسالة رئيس الشؤون الدينية أرباش بمناسبة ليلة المعراج

رسالة رئيس الشؤون الدينية أرباش بمناسبة ليلة المعراج

26/رجب/1443

إننا اليوم وفي هذه الليلة ندرك ليلة الإسراء والمعراج، تلك الليلة التي أُسرِيَ فيها بالنبي صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى المبارك ثم عُرِجَ به إلى السماء.

وهذا الحدث الذي يتجاوز بكيفيته الإدراك البشري ذكره الله تعالى في كتابه الكريم في (سورة الإسراء 17/1) حيث قال: "سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ".

إن حادثة الإسراء والمعراج لا تعبر فقط عن قوة وقدرة الله سبحانه وتعالى المطلقة، إنما هي إحدى المظاهر التي تظهر العظمة التي خُصَّ بها النبي محمد صلى الله عليه وسلم. فبعد أيام الضيق والحزن التي عاشها رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءت هذه الحادثة المليئة بالحِكم من أجل تسلية النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك من أجل تعريف المؤمنين بإمكانيات وطرق التعالي والارتقاء الروحي.

إن ليلة الإسراء والمعراج تعلمنا أن الارتقاء والعلو يرتكزان على قيم سامية مثل التوحيد والعدالة والأخلاق والرحمة؛ وأنهما لن يكونا ممكنين إلا من خلال التسلح بالصبر والعمل من أجل القيم السامية. فهي تعبر عن العبودية الخالصة لله تعالى والإخلاص لنبيه والإيفاء بأمانة الأنبياء والمرسلين والرحمة بالخلائق واحترام جميع القيم المقدسة. وإن جوهر معراج المؤمن هو العمل من أجل خير البشرية وصالحها. ومن هذا المنطلق فإن ليلة المعراج تعتبر فرصة عظيمة لقيامة البشرية من جديد، حيث إن القيم الإنسانية والفضائل الأخلاقية مضطربة بشدة في يومنا هذا.

ومن ناحية أخرى فإن ليلة الإسراء والمعراج تذكرنا بالقدس والمسجد الأقصى. وتظهر لنا أن هناك علاقة لا تنفصم بين مكة المكرمة والقدس، بين بيت الله الحرام وبيت المقدس. فالقدس مدينة مباركة تحوي على العديد من ذكريات الأنبياء الذين كُلِفوا بمهمة نقل الإسلام بدءا من سيدنا آدم عليه السلام. وهو المكان الذي يقع فيه أحد المقدسات الثلاثة والذي يعتبره المسلمون جديراً بتحمل كل المشقات للسفر إليه. والقدس التي كانت "دار السلام" عبر التاريخ ، أصبحت تتوق اليوم إلى السلام. لذا فإن بذل الجهد لعودة القدس مدينة للسلام من جديد هي مسؤولية جميع المسلمين دون استثناء.

وبهذه المشاعر والأفكار أهنّئ أمتنا الحبيبة والعالم الإسلامي بأسره بحلول ليلة الإسراء والمعراج، وأتمنى أن تكون هذه الليلة التي ترمز إلى الارتقاء إلى أعلى درجات العبودية والقيم الإنسانية، وسيلة لصفاء أذهاننا، وراحة قلوبنا، واتساع عقولنا، وسلامة حياتنا، وأدعو الله تعالى أن تكون هذه الليلة وسيلة لوحدة المسلمين وتضامنهم وترسيخ أواصر الأخوّة فيما بينهم ووسيلة لسلام وطمأنينة وهدى البشرية جمعاء.

 

الأستاذ الدكتور علي أرباش

رئيس الشؤون الدينية